بيروت ... مكر السياسة ولعبة الايام! - عبدالامير المجر

anb-news

حين هبطت الطائرة، التي تقلنا، على مدرج مطار رفيق الحريري في بيروت، كان الوقت ليلا، والاضوية المنتشرة على الجانبين، اخذت تفتح لنا نوافذ لرؤية المدينة التي امتلأت مخيلاتنا بصور مختلفة عنها، اسهمت السينما يصياغتها منذ عقود. فبيروت كانت هي الحلم الذي يسكن رؤوسنا، ورؤيتها والسير في شوارعها امنية كل العرب وغير العرب ايضا .. نزلنا من الطائرة الى المطار حيث الاجراءات الروتينية، فكانت اروقته باذخة في تنظيمها وجمالها، لكن الكثير من هذا الجمال، الذي رايناه في اماكن اخرى ايضا، لم يكن موجودا في اماكن اخرى كثيرة، وكإن المدينة تعيش في عصرين متباعدين، وحين اخذنا نستطلع احوالها من خلال تجوالنا اليومي انا وصديقي الشاعر جابر السوداني، الذي رافقني في الرحلة، صحبة وفد ثقافي سياحي نظمه اتحاد الادباء ضمن نشاطه الاجتماعي مؤخرا، صرنا نكتشف المدينة من الداخل بعيدا عن الاماكن السياحية، المنتشرة في المدينة، فايقنا ان التفاوت الطبقي يضرب في اعماق هذه المدينة التي تتمنع على اغلب اهلها من الفقراء الذين لايستطيعون الوصول اليها، او الى الاماكن السياحية فيها بسهولة، بسبب الضائقة المالية وارتفاع الاسعار، الذي لايتناسب مع الدخول الشهرية للبنانيين.

بيروت يصعب وصفها بالمدينة، لانها اقل من ذلك، فهي منتجع سياحي يفتح ذراعية للسائحين العابرين ويضيق بالماكثين، من اهلها او المقيمين فيها، لانها بسبب من طبيعتها الجبلية وصعوبة التنقل بين اماكنها، تجعلك تشعر بانك شبه منقطع عن الاخرين. لقد كنت وانا صغير اتساءل بسذاجة مع نفسي حين ارى او اسمع عن لبنانيين يعيشون خارج بلدهم واقول، اذا كانت بيروت بالجمال الذي يتحدث عنه زائروها، فلماذا يغادرها بعض اهلها الى دول اخرى للعمل هناك، مفضلين تلك الدول التي يوصف مناخها بالجحيم لحرها الشديد صيفا قياسا بمناخ بيروت المعتدل وهواؤها العليل؟! استطيع القول، ان الحرب ليست هي وحدها التي جعلت الكثيرين من اللبنانيين يغادرون بيروت وغيرها من اماكن لبنان، بل ان طبيعتها التي تجعل المكان يضيق باهله يوميا، هي السبب المسكوت عنه في خروج اللبنانيين الى دول اخرى للعيش الاستقرار بعيدا عن البلد الذي يتغنى بجماله الجميع، فاهلها استهلكوا مناظرها الجميلة ولم تعد تدهشهم كالسائحين، لانها لاتمتلك عمق وسعة القاهرة او بغداد او دمشق وغيرها من المدن العربية الكبرى التي تتمتع بثراء وغنى تاريخي، ناهيك عن عدم وجود اماكن ترفيهية تتناسب وامكانيات الفقراء لتشبع حاجاتهم اليومية.. لاشك ان الحرب الاهلية تركت ارثا ثقيلا يصعب على اللبنانيين تجاوزه بسهوله، بالرغم من انها وضغت اوزارها منذ اكثر من ثلاثة عقود، لكنها اسست لحرب سياسية تغذيها الى اليوم اطراف خارجية، جعلت لبنان ساحة توتر سياسي اتت على اقتصادها قليل الموارد، وعلى واقعها السياحي، فهي لم تعد وحدها في الساحة كالسابق، بسبب اقامة منتجعات سياحية خلابة في اماكن اخرى من الدول العربية وغير العربية، اضافة الى تطور تقنيات النقل الحديث والتواصل الاعلامي والالكتروني الذي صار سببا كبيرا في جذب السياح وتوفير التسهيلات لهم، وبذلك فقدت لبنان ميزة تفردها كبلد سياحي مميز.

حين تجولنا في الضاحية الجنوبية، وجدنا البؤس طاغيا ولم نجد فيها ما يجعلنا نصدق انها جزء من لبنان الذي نسمع عنه، وحين قارناها بمناطق اخرى مثل الروشة والحمرا وغيرها من الاماكن الراقية او ذات الطابع السياحي، اكتشفنا ازمة لبنان الذي يعتمد في بناء اغلب مرافقه على الاستثمار، الذي وفر حياة مرفهة في مناطق معينة، بينا لم يحظ سكان المناطق الذين يعتمدون على امكانيات الدولة بذات الامتيازات الخدمية، ففي لبنان لاتتجلى امامك الراسمالية الوطنية، بل راسمالية الاستثمار الانتقائي وبصورة واضحة .. اغلب اللبنانيين ان لم اقل جميعهم، ممن التقيناهم وتحدثنا اليهم، كانوا يشكون الواقع الحياتي الصعب في ظل ارتفاع الاسعار مقارنة بالدخول، وفي العموم، وجدنا الكثير من الهم على وجوه الناس والقليل من السعادة، بالرغم من اريحيتهم واحتفائهم بالضيوف.

لم نجد في بيروت ساحات واسعة، تتوسطها النصب والتماثيل، وتنتشر حولها المحال التجارية كالمدن الكبيرة، باستثناء بعض الساحات والنصب الصغيرة والقليلة، ولم تكن هناك محطات نقل كبيرة او مترو، بل وجدنا اسواقا حديثة (مولات)، لاتعكس امتزاج المجتمع في مناخات ثقافية مشتركة، وهذا الواقع هو ما وفر الفرصة لامراء الحرب والسياسة في لبنان المنقسم على نفسه باستمرار، سابقا ولاحقا، ليمارسوا لعبة الاستقطابات العرقية والطائفية ، لان ممارستها في بيئة غير مندمجة، ايسر بكثير من البيئات التي تشهد بشكل يومي امتزاجا ومصالح مشتركة بين الناس، تدفعهم الى الحفاظ عليها من عبث العابثين، بالرغم من معرفتنا ان اسباب الحرب الاهلية في لبنان كانت اكبر من ذلك، لكنها ستكون بوجود هذه البيئات اخف بكثير بالتاكيد.

لقد ترك عبث الساسة العرب وغير العرب، اثارا لن تمحى بسهولة في عمق الجسد اللبناني الغض، فهم جعلوا هذا البلد الذي كانت امامه فرصة كبيرة للنهوض والتطور، ميدانا لصراعاتهم، يدعمون هذه الجهة ضد تلك، وكلها من اللبنانيين الذين توزعوا بين الفصائل المتقاتلة، ليحيلوا بلدهم الى خراب قبل ان يسلموه لرحمة المستثمرين وامزجتهم الربحية على حساب التنمية الشاملة التي تبدو اثار تعثرها واضحة الان.

بيروت بالرغم من كل شيء تبقى جميلة، لكنها بحاجة الى ان يمد اليها العرب ايديهم، ليكفروا عن ذنبهم الكبير بحقها، في الاقل، لانها تعاني اوجاعا كثيرة، وان بدت للجميع انها تبتسم!!

التصنيف: مقالات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات

حالة الطقس

توقيت المدن

بغداد
جرينيتش
نيويورك

البث المباشر

Loading the player...

اختيارات القراء

There are no voted contents.