المصالحة وتحديات داعش- عماد آل جلال

anb-news

يثار بين آونة وأخرى موضوع المصالحة الوطنية ونستمع الى مواقف ووجهات نظر متعددة ومتباينة منه، تلتقي في إعلان رغبتها الظاهرية بالمصالحة، وتختلف في مضمون وطريقة تحقيقها.

وقد طرحت مشاريع عديدة وتحت مسميات مختلفة للمصالحة، فتارة يفتح الملف وأخرى يركن على الرف  ولعل مبادرة السيد عمار الحكيم رئيس التحالف الوطني هي آخر المبادرات حتى الان، والظاهر للعيان إنها ولدت معوقة برغم دعمها بزيارة عدد من دول الجوار.

عندما نبحث عن تعريف واقعي للمصالحة في القاموس السياسي نجد إنها تسوية تاريخية تضمن الإتفاق والشراكة على الشكل النهائي لتوزيع السلطة والثروة وقضايا الأرض والإدارة، وتتجسد بمبادىء والتزامات متبادلة تلتزم بها أطراف التسوية، وتستند الى أسس كالأمن الشامل مقابل المشاركة الشاملة والتسوية الشاملة وليس التنازل أحادي الجانب ومبدأ اللاغالب واللامغلوب وسلمية الصراع بما يضمن اسقاط العنف كورقة سياسية.

فهل المصالحة تتحقق سياسيا فحسب أم سياسيا ومجتمعياً ؟. في العراق نلمس نوعا من التحجيم الاجتماعي لمعنى المصالحة، فهي عند فئة تعني عودة حزب البعث الى السلطة، وعند اخرى غض النظر عن أخطاء الماضي، وبين الاثنين ضاع المعنى المناسب لملف المصالحة.

لا يكفي “رأب الصدع” بين الاطراف المتصارعة لتحقيق المصالحة، إنما لابد من التحرك نحو العدالة الانتقالية الملازمة لتحقيق معنى المصالحة، ايضاً تحتاج المصالحة الى إرادة سياسية واعية بأهمية تخطي اخطاء الماضي، كما يعرفها الكاتب الاميركي جون بول ليدراخ بانها “عمليات حيوية وتكييفية تستهدف بناء ومداواة البنية الممزقة للعلاقات بين الافراد والحياة المجتمعية، وهي تتعلق بالناس وعلاقاتهم، فهي لا تعني أبداً العودة الى الحالة الأولى برغم الرغبة الشديدة في ذلك، بل انها تتعلق ببناء العلاقات، والعلاقات مرتبطة بأشخاص حقيقيين في مواقف حقيقية يتعين عليهم ايجاد طريقة للتقدم معا”.

في السنوات القليلة الماضية عاثت “داعش” في الارض فساداً وحاولت ترسيخ مفاهيم ظلامية مقيتة في المجتمعات التي وقعت تحت سيطرتها ، وخلقت جيلا منحرفاً أخلاقيا وإجتماعياً غذته بمفاهيم وإملاءات باطلة تتناقض مع البيئة العراقية وعادات وتقاليد المجتمع المتوارثة عبر الاف السنين، فلا يمكن لأية سلطة أن تتجاهل مخلفات “داعش” أو تنظر اليها نظرة سطحية مبسطة، كون هذه المخلفات جزء لا يتجزء من المصالحة الشاملة وربما هي أشد التحديات التي تواجه المصالحة.

التحدي الحقيقي يكمن إذن في الجانب المجتمعي في الملف وليس السياسي وحده، يكفي أن يضع السياسيون النقاط الجوهرية الجامعة التي تحافظ على العراق بلدا عربياً موحدا يمتلك قراره السياسي بعيدا عن المحاور والتكتلات وعدم تهميش الآخر من أي لون كان ونبذ المحاصصة وفصل الدين عن السياسة وجعل الحوار لغة الجميع وتحشيد الجهود لبناء الدولة العصرية الحديثة لحسم الجانب السياسي من الملف، أما في الجانب المجتمعي وهو الاهم فلابد ان تتضافر فيه الجهود والانتقال بالملف من زاوية “الانتقام والمعاقبة” الى مرحلة “المكاشفة والمعالجة” وأختيار الشخصية الجامعة للقيام بالمهمة، وإعتماد مسارين أساسيين لإكمال خطوات المصالحة الوطنية هما “مسار العدالة الانتقالية ثم المصالحة الوطنية”

لاشك إن مرحلة ما بعد “داعش” تتطلب وضع ملف المصالحة الوطنية في مقدمة الاولويات لأستكمال متطلبات النصر النهائي في الحرب العالمية على الارهاب والحاق الهزيمة به في العراق أولا مقدمة لقبره نهائياً والى الأبد.

التصنيف: مقالات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات

حالة الطقس

توقيت المدن

بغداد
جرينيتش
نيويورك

البث المباشر

Loading the player...

اختيارات القراء

There are no voted contents.