ندوة حوار مثقفي الأمم الأربع – عبد الحسين شعبان

anb-news

باعتزاز أقف بينكم في هذه الندوة الحوارية التأسيسية للمبادرة التي أطلقها “المعهد العربي للديمقراطية”، والذي تأسَّس في العام 2012  بعد نجاح الثورة التونسية في 14 جانفي – يناير (كانون الثاني) 2011  واتّخذ من تونس العاصمة مقرّاً له، وهو امتداد لـ”مركز دعم الديمقراطية في العالم العـربي” الذي تأسَّس في روتردام (هولندا) العام 2004. وكانت مبادرتا تأسيس المعهد والمركز من بنات أفكار الدكتور خالد شوكات ونخبة من المثقفين العرب الذين استشعروا منذ وقت مبكّر أهمية تعزيز الوعي بالحقوق والحريّات وبنشر قيم الديمقراطية وتعميم ثقافتها والتربية عليها، وفي المرّتين أي في المركز والمعهد شرّفني زملائي باختياري رئيساً لمجلس الأمناء.

وإذا كنّا نعقد ندوتنا الحوارية في 23 – 25 ديسمبر (كانون الأول) 2016  فإن هذا التاريخ يمكن أن يمثّل علامة مضيئة على طريق التفاهم والتعاون والمشترك الإنساني، وهي القواعد الأساسية التي اعتمدت عليها مبادرة إطلاق الحوار بين مثقفي الأمم الاربع ، والتي يمكن أن تأخذ مكانها في سجل المبادرات الجادّة والسّاعية إلى مدّ الجسور والتقارب بحيث يصبح الطريق سالكاً بما يعزز دور الثقافة والمثقفين فكراً وأداءً، لا سيّما بين الأمم الاربع والمقصود بذلك: العرب والترك والفرس والكرد، خصوصاً بتأكيد الاحترام المتبادل والحقوق المتكافئة، وقيم المساواة والعدل والشراكة والجمال.

ولم يأتِ هذا الحدث الثقافي المتميّز إلاّ بعد حوار ونقاش وجدل بين نخب مختلفة ومتعدّدة، وفي بلدان عديدة، الأمر الذي وفّر قناعات متراكمة وخبرات مضافة، لتأكيد أهمية مثل هذا الحوار الذي لم يعدْ حسب تقديري ترفاً فكرياً، بقدر ما هو حاجة ضرورية وماسّة، فالحوار الثقافي بشؤونه وشجونه بين مثقفي الأمم الأربعة أصبح اختياراً وخياراً لا بدّ منه، ولا مناص من اعتماده وسيلة فعّالة للعلاقة بين البلدان والأمم والشعوب والجماعات، وبهذا المعنى فهو في الوقت نفسه اضطرار، لأن نقيضه سيعني استمرار الحال على ما هو عليه في أقل تقدير، وذلك سيعني استمرار التباعد والانغلاق والتناحر.

وفي حين يتجه العالم أمماً وشعوباً وهيئات نحو التقارب والتعاون والتكامل، تستمر منطقتنا في حالة من التنافر والاحتراب والنزاع، تلك التي لا يستفيد منها إلاّ أعداء الأمم الأربعة، ومن يغيظهم أي تقدم يحصل على طريق إذابة الثلوج التي منعت من التلاقي والتراضي والتشارك.

إن عالمنا المعاصر هو عالم متعدّد ومتداخل ومتشابك من المصالح والمنافع والمشتركات، خصوصاً في ظل المرحلة الثانية من الثورة العلمية – التقنية منذ نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيّما في مجال الاتصال والتواصل والمواصلات، ولم يسبق أن حدث مثل هذا التطوّر الهائل والذي لا مثيل له في كل تاريخ البشرية. إن العقود الخمسة الأخيرة من الزمان أو أقل من ذلك تعادل عشرات بل مئات المرات التطوّر الذي عاشته البشرية لما يزيد عن خمسة قرون من تاريخها، إضافة إلى الطفرة الرقمية (الديجيتال) والمعلوماتية الهائلة، الأمر الذي يتطلّب التغيير باتجاه التعايش والتسامح والتواصل، وعكسه سيستمر الانعزال والتخندق والتمترس والصراع والاحتراب الذي دفعت ثمنه شعوبنا وأممنا غالياً، ولا سيّما المثقفين الشريحة الأكثر تأثراً والأشد حساسية إزاء شحّ الحريّات وضيق فرص العيش والانغلاق على الذات، فما بالك بالنزاعات والتناحرات والحروب الخارجية والداخلية، الدولية والأهلية، وشيوع ظواهر الإرهاب الدولي العابر للقارات والحدود، وهو إرهاب معولم لا دين له ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ولا منطقة جغرافية ولا هويّة خاصة.

وإذا كان لي شرف البدء في إطلاق فكرة الحوار بين مثقفي الأمم الاربع منذ أكثر من عقد من الزمان، فإنها أصبحت اليوم بفضل المعهد العربي للديمقراطية حقيقة قائمة يمكن تطويرها وجعلها مؤسّسة فاعلة تستطيع أن تستقطب مثقفين عرب وترك وفرس وكرد، بحيث تكون فضاءً لحوار معرفي وثقافي حرّ ومفتوح لإغناء القيم الإنسانية المشتركة وتعزيز الروابط التي تجمعنا كبشر، يمكننا أن نعيش ونعمل من أجل سعادة بلداننا وخير أممنا ورفاه شعوبنا وإعلاء شأن قيم الجمال والخير والسلام والمساواة والمشترك الإنساني، بدلاً من الكراهية والتعصّب والتطرّف والعنف والإلغاء.

والهدف من الاجتماع على الحوار هو تعزيز وتعميق القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين الأمم والشعوب وثقافاتها وحضاراتها المتفاعلة، المتراكبة، المتداخلة، المتخالقة، بل والمتشابكة، ولديها الكثير من الجوامع التي ينبغي تعظيمها، ولديها الكثير من الخلافات والاختلافات التي ينبغي تقليصها، خصوصاً وأن بعضها عفا عليه الزمن.

ومثلما كان الحوار العربي – الكردي فكرة عامة، فقد أصبحت بفضل المبادرة التي أطلقناها منذ أكثر من ربع قرن والتي تبلورت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) العام 1992 في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان فكرة ملموسة وقابلة للتنفيذ والتفاعل والتواصل، حيث تم تنظيم حوار في لندن لأول مرّة بين مثقفين من العرب والكرد (من أقطارهم المختلفة)، وضمّ الحوار 25  عربياً و25  كردياً، وعلى أساسه نُظّم الحوار الثاني العام 1998  في القاهرة، ومن ثم تمَّ تأسيس جمعيات للصداقة العربية – الكردية في فلسطين والأردن والعراق ونواتات أخرى غيرها، وهنــــاك هيـــــئات تنســـــيق لها.

الحوار بين مثقفي الأمم الاربع ينطوي على عدد من الاعتبارات، وأهمها:

الأول – أنه حوار ثقافي معرفي يتّصل بمجمل علاقات الأمم الأربعة، وهدفه تعزيز وتوطيد العلاقات بمختلف جوانبها، وبين المثقفين بشكل خاص، وأبناء الأمم الاربع في بلدانهم المختلفة بشكل عام.

الثاني – أنه حوار سلمي ومستقبلي، لا يبحث في الماضي إلاّ بالقدر الذي يتناول ما هو إيجابي وجامع وموحّد، أي أنه لا يستغرق في بحث السلبيات القديمة والعقد التاريخية، وإنما يركّز على الإيجابيات والمشتركات، لا سيّما ببعدها الإنساني، وفيما يتعلّق بالقيم الإنسانية المشتركة، وحقوق الإنسان، بما فيها حق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها بحريّة، وحقها في اختيار نظامها الاجتماعي دون تدخل أو هيمنة أو أية شروط مجحفة أو غير متكافئة.

الثالث – أنه حوار يقوم على أُسس من التّسامح والسّلام والدعوة للاّعنف، وهو يبحث في أواصر الصداقة والتضامن. وبهذا المعنى فإنه يستهدف تطويق ظواهر التعصّب والتطرّف والإلغاء والتهميش للآخر بغض النظر عن المبرّرات التي تسوّغ ذلك، خصوصاً بتقديم القيم النقيضة.

الرابع – أنه يسعى لتعزيز الروابط الأخلاقية والاجتماعية التي تجمع المثقفين في الأمم الاربع والتصدي لمحاولات زرع الشكوك والألغام بينها، خصوصاً وأن قوى غير قليلة لا تضمر الود لها ويهمها أن تبقى في حالة من التفرّق والتشتّت والتشظّي والتباعد، بل والاحتراب والكراهية.

الخامس – أن مثقفي هذه الأمم بقدر اعتزازهم بهويّتهم وخصوصيتهم وتراثهم وتاريخهم، فإنهم في الوقت نفسه يشعرون بأنهم جزء من حضارات وامتداد لثقافات تفاعلت في الماضي في إطار أديان وسلالات ولغات كانت عامل قوّة وليست عنصر ضعف وعامل غنى وليس عنصر خواء، واليوم فإن المثقف بشكل عام يشعر أكثر من أي وقت مضى أنه جزء من الثقافة الإنسانية، وبقدر محليته فهو مثقف كوني بما يحمله من قيم، وبما يتواصل به مع الآخر، وبما يعترف به للغير من حقوق ومساواة. وهذا يعني أن اعتزازه بثقافته وخصوصيتها ولغتها، إنما هو تفاعل مع القيم الإنسانية والحضارة البشرية بشكل عام.

السادس – أن هذه المبادرة لكي تنجح وتستمر وتتطوّر، لا بدّ أن تُمؤسس على نحو مرن وقابل للتواصل والانفتاح بهدف التأطير والتنسيق، وابتداء يمكن إيكال ذلك إلى المعهد العربي للديمقراطية، صاحب المبادرة، لكي يأخذ على عاتقه دعوة أكبر عدد من المثقفين، ومن ثم وضع جدول عمل مناسب، لتعزيز أهداف الحوار وصولاً إلى المشترك الإنساني.

السابع – إذا كان لنا تسجيل الشكر والاعتزاز، فهو لتونس التي جاءت دعوتها الكريمة لمناسبة كون صفاقس عاصمة الثقافة العربية، ليتم الإعلان عن مبادرة حوار الأمم الأربعة في حلقتها الأولى التي ترى النور اليوم، ولهذا فإن تونس باعتبارها البلد المضيف، والذي أطلقت منه المبادرة، بفضل المعهد العربي للديمقراطية ورئيسه الدكتور خالد شوكات، فلنقف اعتزازاً بريادتها وجدارتها في تحمّل هذه المسؤولية، ولنصفق عالياً لحوار مثقفي الأمم الأربع.

التصنيف: مقالات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات

حالة الطقس

توقيت المدن

بغداد
جرينيتش
نيويورك

البث المباشر

Loading the player...

اختيارات القراء

There are no voted contents.